يهل علينا رمضان كومضه نورانيه ربانيه يبعثها الله فى قلوب عباده من المؤمنين يأتى كضيف عزيز كل عام، يطرق ابواب القلوب قبل ابواب البيوت، فيوقظ ما نام من الشوق ويغسل ارواحنا بندى الرحمة والمغفرة، فهو شهر تتنزل فيه الرحمات وتفتح فيه ابواب الجنان، وتغلق فيه ابواب النيران ، وتصفد الشياطين، هو فرصة عظيمة لتجديد الإيمان ومراجعة النفس والتقرب إلى الله بالطاعات، هو ليس شهراً يُعد بالأيام بل هو نفحات تقاس بعمق الاثر فى القلب. فى ليالى رمضان حين يهدأ الضجيج وتخفت الأصوات، يبقى صوت الدعاء وحده صاعداً إلى السماء، كأن الأرواح تعرف طريقها إلى الله اكثر من اى وقت مضى ، تقف بين يديه خاشعة تحمل فى صدورها اثقال عام كامل، وترجوه ان يمحوها بلحظة صدق ودمعة توبة وسجدة طويلة فى جوف الليل. رمضان هو تلك الطمأنينة التى تسكن القلب ، حين نقرأ آية من آيات القرآن الكريم نشعر انها خُطت لأجلنا. رمضان ليس مجرد شهر فى التقويم الهجري بل هو محطة إيمانية تجدد فيها الأرواح وتستنير بها القلوب بعد طول غفلة ، إنه النور الذى يتسلل بهدوء إلى اعماق النفس فيبدد ظلمات القلق ويوقظ فيها اجمل معانى الطمأنينة والسكينة. مع اول لياليه تشعر ان شيئاً مختلفاً قد حل بنا بتغير نبرة الدعاء ويصبح للقرآن وقع أعمق فى الصدور، وكأن القلب اُضيىء بمصباح من نور ، وكأنه ينتظر هذا الموعد ليعود إلى نقائه وفطرته. فى رمضان نُعيد ترتيب اولوياتنا ، فتنحسر ضوضاء الدنيا ويتقدم صوت الروح . الصيام ليس امتناعاً عن الطعام والشراب فحسب بل هو تهذيب للروح وتربية للإدارة وصفاء للنفس، وادراك لقيمة النعم التى طالما اعتدناها، وهكذا يشرق فى القلب نور الرحمة. رمضان هو شهر القرأن ، فيه تزداد الصلة والإحساس بكلام الله فنقرأ آيات ربما مررنا بها كثيراً ، لكنها فى هذا الشهر تبدوا وكأنها تولد من جديد فى قلوبنا . كل ايه نور وكل تدبر بصيرة، وكل ختمة قرأن خطوة نحو قلب اكثر اشراقاً ، من يجلس فى هدوء الليل ليقرأ فى كتاب الله ، يشعر ان النور لا يأتى من الحروف وحدها بل من المعانى التى تلامس اعماقنا فتغسل همومنا ويعيد لنا اليقين بأن بعد العسر يسر، وبعد الضيق فرج. فى سكون الليل حين تصطف القلوب قبل الأجساد يتجلى معنى النور الحقيقى،ركعات خاشعةودموع صادقة ، ودعوات تُرفع بثقة إلى السماء ، فى تلك اللحظات يشعر الانسان انه أقرب ما يكون إلى الطمأنينة ، وكأن النور قد استقر فى قلبه وأضاء زواياه المعتمة . أعظم ما نرجوه من رمضان ان لا ينتهى اثره بانتهاء ايامه . فالنور الحقيقى هو الذى يبقى ويصاحبنا بعد انقضاء الشهر ، يستمر فى الصلاة بخشوع ، وصدقة بسرور وذكر يملأ اوقاتنا، فهذا هو الامتحان الصادق لرمضان رمضان نور فى القلب، نور توبة تمحوا الخطايا، نور دعاء يفتح الأبواب، نور امل لا ينطفىء مهما اشتدت الغيمات ما اجمل ان نخرج من رمضان بقلوب اخف وبنفوس انقى، وبعهد جديد مع الله لا ينقضى بانقضاء الشهر . اللهم اجعل لنا فى هذا الشهر نصيباً من الرحمة تُحي قلوبنا ومن المغفرة تمحوا زلاتنا ومن القبول ما يجعلنا من السعداء . اللهم اجعل رمضان بداية إشراق دائم فى قلوبنا ولا تجعل نوره عابراً بل اجعله حياة تتجدد فينا كل عام.
Anbaa Aldelta انباء الدلتا