المعنى .. مختلف !!
بقلم / دكتور أنس عبد الرحمن الذهبي
استشاري طب الأطفال – طنطا
يتردد على ألسنتنا كثير من العبارات والمصطلحات ، التي نقصد بها معان معينة توارثناها وظلت راسخة في عقولنا على مر السنين ، ولكن بتأصيل هذه العبارات أو المصطلحات ، نجد أن المعنى المتداول حاليا يختلف تماما عن المعنى المقصود بها عند نشأتها .
من هذه العبارات قولنا عندما نمدح شخصا ما إنه ( ابن ناس ) وكذا قولنا عند ذكر فضائل قوم أصلهم ( ولاد ناس ) وهذه العبارات ظهرت للمرة الأولي في عهد المماليك للتعبير عن الأشخاص غير المصريين مجهولي النسب والأصل للتفرقة بينهم وبين أولاد العائلات المصرية المعروف نسبهم وأصولهم .
وكان من المعتاد أن تضم حاشية سلطان المماليك عددا منهم يتغيرون بتغير السلطان ، فكانوا بعد ابتعادهم عن البلاط السلطاني وفقدهم السلطة والثروة ينشرون الفساد في البلاد ويمتهنون السرقة والسلب والنهب وقطع الطرق .
وعندما شعر أحد سلاطين المماليك بخطورتهم على البلاد والعباد خصص لكل منهم راتبا ثابتا كان له بند رسمي في الميزانية واستمر هذا الأمر حتى زوال دولة المماليك علي يد العثمانيين وتم شطب عبارة ( ولاد ناس ) من الدفاتر الرسمية ولكنها استمرت جارية على الألسن حاملة معنى أخر مختلف تماما عن معناها الأصلي .
أما مصطلح ( العوالم ) فقد كانت نشأته عندما اختص سلاطين المماليك بعض إمائهم المتميزات بحضور جلساتهم الرسمية مع الوزراء والأمراء أثناء بحثهم شئون البلاد ، حيث يقمن بالغناء والرقص امام الحاضرين للتخفيف من أعباء المسئولية .
وبالطبع فقد كن يستمعن إلى ما يحدث في هذه الاجتماعات ، ويعلمن ببواطن الأمور ، وكلما ازددن قربا من السلطان ازداد علمهن بأسرار الدولة حتى إنهن أصبحن المصدر الرئيسي الذي بعرف منه عامة الشعب وكذا أعداء السلطان هذه الأسرار ومن هنا تم اطلاق عبارة ( العوالم ) عليهن .
وبعد زوال دولة المماليك وانتهاء عصر الإماء منذ مئات السنين مازال الاسم يتم اطلاقه حتى الآن علي الفتيات اللائي يقمن بالرقص والغناء في الأفراح الشعبية والمناطق الريفية علي نغمات الآلات النحاسية ، وذلك بالرغم من عدم علمهن بأي أخبار أو أسرار !!
ونأتي للعبارة الثالثة وهي ( اللي يحتاجه البيت يحرم على الجامع ) الذي يتداوله المصريون كثيرا في حياتهم اليومية، ليؤكدوا على عدم التنازل عن شيء يحتاجونه أو التفريط فيه حتى لوكان المسجد بحاجة إليه وترتبط هذه العبارة بأخرى وهي ( بركة يا جامع جات منك ومجتش مني ) التي يقولها البعض إذا ذهب إلى المسجد فوجده مغلقا .
وبالطبع فهذه المعاني مختلفة تماما عن المعاني المقصودة بهذه العبارات عندما ظهرت في العصر العثماني ، فقد كان المصريون يطلقون اسم ( الجامع ) على الشخص الذى يجمع أموال الضرائب منهم .
و في بعض الأحيان كانت الاحوال المعيشية للمصريين تسوء ولا يجدوا ما يعطونه الى ( جامع ) الأموال العثماني فكانوا يقولون ( اللي يحتاجه البيت يحرم على الجامع ) وفي أحيان أخرى قد لا يمر هذا ( الجامع ) على أحدهم لسبب ما فجاء قولهم ( بركة يا جامع جات منك ومجتش مني ) .
ومع مرور الأيام وبعد سقوط الدولة العثمانية وانتهاء دور ( الجامع ) حدث سوء الفهم وظن البعض خطأ أن كلمة ( الجامع ) تعني المسجد ، وجاء استخدام العبارات السابقة في غير معناها الحقيقي ، وذلك بالرغم من أن قلوب المصريين معلقة دائما بالمساجد ، ولا يبخلون عليها بشيء أبدا حتى لو كان من أقواتهم الضرورية .
Anbaa Aldelta انباء الدلتا