الجيوش العربية ضحية الفوضى >> بقلم / اشرف عبوده

الجيوش العربية ضحية الفوضى

بقلم / اشرف عبوده

 

الجيوش هي الحصن المنيع للدول، لكنها في بعض الدول العربية تحولت إلى أدوات لحماية الأنظمة الحاكمة فقط، وعلى حساب الأوطان،  خلال العقود الأخيرة، شهدنا انهيارات متكررة لجيوش عربية عند أول اختبار حقيقي، مما أثار تساؤلات عميقة عن أسباب هذا الضعف البنيوي. كيف يمكن أن تُنفق مليارات الدولارات على بناء هذه الجيوش، لكنها تنهار سريعًا أمام جماعات مسلحة ذات عقيدة قوية أو قوى خارجية؟

لقد باتت الجيوش العربية ضحية أولى لأى فوضى تموج بمنطقة الشرق الأوسط، وعلى مدار السنوات الماضية منذ الغزو الأمريكى للعراق وإسقاط نظام الرئيس صدام حسين فى ٢٠٠٣، مرورا بما اصطلح عليه بـ”الربيع العربي” والجيوش تتداعى كقطع الدومينو، وكان آخرها ما جرى للجيش السورى الذى دمرته إسرائيل فى موجات وغارات متتالية من سقوط نظام الرئيس بشار الأسد فى الثامن ديسمبر ٢٠٢٤، وكأنه استكمال للفوضى التى اجتاحت العالم العربى نهاية عام ٢٠١٠ باندلاع الثورة التونسية مرورا بثورة ٢٥ يناير ٢٠١١ فى مصر، وانتقلت العدوى إلى ليبيا وسوريا واليمن، وبلدان أخرى.

في عام 1948، سقطت الجيوش العربية في اختبار قاسٍ أمام التاريخ، بعد أن أثبتت أنها غير قادرة على حماية بقاعها المقدسة أمام مهاجرين مُحتلين وعصابات مسلحة، وليس أمام إمبراطورية عظمى أو جيوش قاهرة. وبلغ العرب من الضعف أن اجتمعت جيوشهم في حرب على جماعة سُكانية لا يعادل عددها سكان عاصمة من عواصمها الكُبرى، فخسرت خسارة مُذلة وتشرَّد شعب من شعوبها بأكمله.

ما زاد التعمُّق في أحداث الحرب التي خاضتها الجيوش العربية في مواجهة العصابات الصهيونية على أرض فلسطين، ازدادت الأسئلة التي لا يوجد لها جواب شافٍ. وفي واقع الأمر، أتى أداء الجنود العرب في بعض المعارك مُستبسلا واستثنائيا إلى حدٍّ يجعلنا نطرح السؤال الآتي: هل خسر العرب لأسباب عسكرية حقا أم أن ثمَّة مؤامرة سياسية أفضت إلى الهزيمة؟ ويفرض ذلك السؤال نفسه لأننا لا نتحدث في عام 1948 عن إسرائيل المتطورة ماديا التي عرفناها طيلة العقود الماضية، بل نتحدث عن عصابات مسلحة لا تمتلك سلاحا متفوقا نوعيا على السلاح العربي، رغم ما حازته من دعم دولي.

دخلت مصر الحرب في عام 1948 بعد مرور أكثر من ستين عاما على آخر الحروب التي خاضتها قبل الاحتلال البريطاني للبلاد عام 1882، ولم تفلح إلا في تنظيم عشرة آلاف مقاتل أضافت إليهم فيما بعد نحو عشرة آلاف آخرين في حالة التعبئة القصوى. أما الأردن فأرسل 12 ألف مقاتل، في حين أرسل العراق 15 ألف مقاتل، ودخلت سوريا بـ5 آلاف مقاتل فقط، وقدَّمت المملكة العربية السعودية نحو 3000 مقاتل، وشارك لبنان بنحو 1000 مقاتل. وعلى صعيد السلاح، لم يكن المشهد أقل تخبُّطا وعشوائية، فرغم أن التقدم التكنولوجي لصالح إسرائيل لم يكن فارقا، أتى حجم التسليح والطريقة التي تسلَّحت بها الجيوش العربية هزيلة مقارنة بالتنظيم والتدريب على الجبهة الصهيونية.

  • الجيش العراقي

انهار عام 2003 أثناء الغزو الأمريكي للعراق، مع دخول المعارضة الشيعية المدعومة إيرانيًا على الدبابات الأمريكية. يعود السبب إلى الحصار المطبق على العراق أكثر من عقد من الزمان وربما بعد شعور الجيش العراقي بان النظام قد دبّه الضعف صار الولاء للطائفة والمنطقة يسبق الولاء للوطن رغم حرص النظام البعثي على بناءه على عقيدة قومية ووطنية لكن الحروب ارهقت الجيش العراقي مما ساهمت بتفككه. أما بعد 2014، واجه الجيش تحديًا آخر عندما اجتاح تنظيم داعش مساحات واسعة من الأراضي العراقية، وهو ما كشف عن فساد إداري وضعف تدريب القوات رغم ضخامة الإنفاق العسكري وولوج الحشد الشعبي لمؤسساته واصبح مشرعن بالجيش العراقي رغم ولائه بالمطلق لإيران.

فالغزو الأمريكى كان معدا قبل هجمات الحادى عشر من سبتمبر ٢٠٠١ حيث أكد آل جور المرشح الأمريكى الأسبق فى الانتخابات الرئاسية، فى كتابه الهجوم على العقل “لقد أخبرنا الرئيس “يقصد الرئيس جورج بوش الابن” أن الحرب هى خياره الأخير، لكن الواضح الآن أنها دومًا كانت خياره الأول فقد أكد وزير خزانته السابق، بول أونيل، أن العراق كانت “تتصدر” موضوعات أول اجتماعات لبوش بمجلس الأمن القومى بعد ١٠ أيام فقط من توليه السلطة، وكان الأمر هو إيجاد طريقة لتحقيق ذلك”.

وبدأ تنفيذ مخطط بوش الابن ضد العراق، بعد شهور قليلة من الغزو، حيث عين الأمريكى بول بريمر حاكما على العراق، فى السادس من مايو ٢٠٠٣ ومن أولى القرارات التى اتخذها هى حل الجيش العراقى فى الثالث والعشرين من الشهر نفسه، ليقضى على أحد أقوى الجيوش العربية التى دعمت وساندت الجيش المصرى والسورى فى الحرب ضد إسرائيل أكتوبر ١٩٧٣.

  • الجيش الليبي

تأسس في 9 أغسطس 1951، وكان يُصنَّف ضمن أقوى الجيوش في المنطقة. لكنه تفكك بعد ثورات الربيع العربي بسبب انقسام المؤسسة العسكرية بين شرق وغرب البلاد. أصبحت الأولوية لتوحيد مؤسسة أمنية وطنية كخطوة أساسية نحو حل سياسي مستدام. اليوم، يعتمد المشهد الأمني الليبي على الميليشيات والدعم الإقليمي بدلًا من جيش وطني موحّد.

وبعد اندلاع الاحتجاجات فى ليبيا ضد العقيد معمر القذافى فى فبراير ٢٠١١ جاء رد الفعل من جانب السلطات عنيفا، وهى الذريعة التى اتكأ عليها الغرب لشرعنة التدخل العسكرى تحت مظلة أممية، لتبدأ العملية العسكرية لحلف شمال الأطلسى “الناتو” ضد ليبيا فى نهاية شهر مارس ٢٠١١ والتى أسفرت عن تدمير الجيش الليبي.

وجاء التدخل العسكرى للناتو بتفويض دولى من الأمم المتحدة فى ٣١ مارس ٢٠١١ وفرضت بموجبه منطقة حظر جوى فوق ليبيا وسمح لقوات عسكرية أجنبية، منها قوات الحلف باستخدام “مختلف الإجراءات اللازمة” لحماية المسئولين الليبيين.

وقامت طائرات حلف الناتو بأكثر من ٢٦ ألف طلعة جوية، أكثر من ثلثها لأهداف “هجومية”، ودمرت نحو ستة آلاف هدف أو إصابتها بخسائر كبيرة، ومئات من الآليات والرادارات وقاذفات الصواريخ وفق الحلف. ونشرت قوات برية كان أبرزها لدولة قطر إلى جانب قوى غربية أخرى لم يكشف عنها. وشارك فى عملية الناتو فى ليبيا، ٨ آلاف جندي، وأكثر من ٢٦٠ طائرة حربية، و٢١ وحدة بحرية.

  • الجيش اليمني

كان من أقوى الجيوش في المنطقة قبل أن يتفكك تدريجيًا بعد انقلاب الحوثيين عام 2014. لم يكن الانهيار بسبب مواجهة مسلحة فقط، بل نتيجة عقود من الفساد، الولاءات الضيقة للقيادات، وتفريغ الجيش من عقيدته الوطنية، وبسبب خروج الساحات بالمطالبة بإسقاط النظام ودخول اليمن في مبادرة خليجية للحفاظ على المناصفة لصالح النظام السابق في الدولة وإعادة هيكلة الجيش، كل ذلك أسهم في عملية تسليم وتسلم كما نراه اليوم في سوريا، كانت اطقم من ميليشيات الحوثي تستلم المحافظات دون قتال.

  • الجيش السوري

فقد السيطرة تدريجيًا أمام المعارضة المسلحة والجماعات المتطرفة خلال الحرب الأهلية. الانشقاقات الجماعية، غياب الولاء الوطني، وعدم انتظام دفع الرواتب ساهمت في انهياره السريع.

فى الـ٤٨ ساعة الأولى بعد سقوط النظام، شن جيش الاحتلال الإسرائيلى غارات جوية متتالية على المواقع السورية بلغت ٤٨٠ غارة بحسب البيان الصادر فى ١٠ ديسمبر الجاري، أى بمعدل غارة جوية كل ٦ دقائق، فى تدمير واضح وصريح لقدرات أحد الجيوش العربية التى حاربت إسرائيل أكثر من مرة وكان آخرها فى حرب أكتوبر ١٩٧٣ مع الجيش المصري.

وأعلنت إذاعة جيش الاحتلال الإسرائيلى فى نفس اليوم تدمير ما يقرب من ٧٠ إلى ٨٠٪ من قدرات الجيش السوري.

وأكد جيش الاحتلال أن هدف الغارات على المواقع العسكرية هو تقليص المخزونات الكبيرة من الذخيرة التى يملكها الجيش السوري وكان الهدف الأول لسلاح الجو الإسرائيلي، هو تدمير أى تهديد له فى الأيام الأولى بعد سقوط الأسد، لذا استهدف بطاريات الدفاع الجوى التى خلفتها قوات الجيش السوري، وفى غضون وقت قصير، مُنِح سلاح الجو حرية كاملة للعمل فى أجواء سوريا  ، والهدف الثانى كان ضرب مستودعات الأسلحة التى شملت صواريخ أرض – أرض، ومستودعات صواريخ مضادة للدبابات، ودبابات، ومدفعية ثقيلة، ومستودعات أسلحة كبيرة أخرى.

كما قصفت إسرائيل مركز البحوث العلمية فى دمشق، حيث يتم تطوير برامج الأسلحة الكيميائية والصواريخ الباليستية.

وهاجم سلاح الجو الإسرائيلى كل المطارات العسكرية فى دمشق وضواحيها وفى المنطقة الجنوبية”.

وتوغل جيش الاحتلال إلى المنطقة العازلة فى الجولان السورى المحتل، ووصل إلى منطقة قطنا التى تقع أجزاء منها فى المنطقة العازلة، بين إسرائيل وسوريا التى تبعد عن العاصمة دمشق بمسافة ٢٥ كم تقريبا، وذلك بعد إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو، سقوط اتفاقية فض الاشتباك الموقعة مع سوريا فى عام ١٩٧٤ بعد عام واحد من حرب أكتوبر وبعد مرور أسبوع واحد، وسيطرة هيئة تحرير الشام على مقاليد الحكم فى دمشق، دمرت إسرائيل ٢٠ موقعا لفيلق تكنولوجيا المعلومات التابع للجيش السوري، بالإضافة إلى تدمير قطع بحرية كثيرة فى ميناءى اللاذقية والبيضاء ومخازن صواريخ بحر بحر.

اليوم، تُعتبر الجيوش الليبية واليمنية والسورية وغيرها غير فعّالة، حيث تعتمد الدول على ميليشيات محلية أو دعم خارجي بدلًا من جيوش وطنية.

واحب اوضح فى مقالى ان اهم أسباب الانهيار للجيوش العربية وهى غياب العقيدة الوطنية التى تُبنى الجيوش العربية غالبًا لحماية الأنظمة بدلًا من حماية الأوطان. أصبح ولاء الجيوش مرتبطًا بالشخص الحاكم بدلًا من الدستور أو الشعب، مما أدى إلى غياب الانتماء الوطني.

 وايضا الفساد الإداري والمالي   والتى تعاني كثير من الجيوش العربية من استشراء الفساد، سواء في العقود العسكرية، أو توزيع المناصب القيادية، أو تضخم أعداد الجنود الوهميين الذين يرهقون ميزانيات الدفاع دون أي دور فعلي بينما مرتبات الجنود تستقطع او تتأخر كما في اليمن.

و الانقسامات الطائفية والسياسية حيث تتحول الجيوش في كثير من الأحيان إلى أدوات تخدم طائفة، فئة سياسية، أو أسرة حاكمة، مما يجعلها عرضة للانهيار أمام أي تحدٍ داخلي أو خارجي.

بالاضافة الى ضعف التدريب والجاهزية  بالرغم من ضخامة الإنفاق العسكري، تُعاني الجيوش من نقص التدريب وعدم امتلاك استراتيجيات فعّالة. يُنفق الكثير على شراء المعدات بدلًا من بناء قدرات بشرية مؤهلة.

والاستبداد وتغييب الكفاءات حيث تكون السيطرة السياسية المطلقة تُقصي الكفاءات العسكرية لصالح الموالين، مما يُضعف كفاءة الجيوش ويؤدي إلى تفاقم أزماتها.

إن انهيار الجيوش العربية ليس نتيجة مفاجئة، بل هو انعكاس لعقود من التخطيط السيئ، الفساد، والانقسامات الداخلية.

إصلاح الجيوش يتطلب إرادة سياسية قوية لإعادة هيكلتها بناءً على أسس وطنية ومهنية، بعيدًا عن الولاءات الضيقة. فقط من خلال ذلك، يمكن للجيوش العربية أن تتحول إلى قوة دفاعية حقيقية تحمي أوطانها وتحفظ استقرار شعوبها.

وفى باقية مقالى عن  الجيش المصري الذي يحتل المرتبة الـ 15 عالمياً في قائمة أقوى جيوش العالم .

 

شاهد أيضاً

ثقة مستحقة.. تجديد اختيار د. طارق المحمدي خليفة وكيلاً للجنة الشئون الدينية والأوقاف بمجلس النواب للمرة الثانية ​

كتب – اشرف عبوده ​في خطوة تعكس تقدير المؤسسة التشريعية لدوره البارز وجهوده الملموسة في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *