بين النيل والسين : رحلة القاهرة لباريس الساهرة
بقلم أ.د.. فتحية الفرارجى
استاذ النقد والأدب الفرنسى المعاصر
باحث مشارك (سابقا) بمعهد النصوص والمخطوطات التابع للمركز الوطنى للبحوث العلمية بفرنسا
فى قلب دلتا النيل نَما كما تنمو النباتات…. حبي لبلدي الحبيب مصر
وشغفى منذ الصغر لاكتشاف ما تطويه صفحات الكتب. ومع إيقاع نحت
جدى للحروف على الرخام كنت أعزف على أوتار آلتي الصغيرة وأُنقب
عن أحلامي في الخيال وأحملها وأسجد وأركع وأبتهل بها وأودعها فى يدِ
الرحمن. ويشغلني فن الحياة وجمال الروح وأريجها. وكان حِسَّ الصحافة
ونبض الكتابة هو حلمي الأول.
طافت كاميرات الرحلات فى سمنود، وبنها، والقاهرة، ودمياط، وبور
سعيد، وبلطيم، ورأس البر، والإسكندرية، والعامرية، والأقصر، وأسوان،
حتى الغردقة، والعريش، وجنوب سيناء، والفيوم، والسادات، ومرسى
مطروح، وشرم الشيخ، وطنطا، إلى فرنسا وسويسرا. هكذا مع زيارة كل
مكان يتشكل إطار برواز للوحة فريدة من عجينة تلتصق بإطار خشبي
رفيع يمر عليه إطار نحاسي منقوش بارز ومحفور غائر فيه نقوش فريدة
يلونها كل مكان بلونه إمَّا الذهبي مع حرارة الشمس أو الفضي مع نزول
الثلج أو السندس مع خضرة نضرة. كلها ألوان بديعة من وحي المكان
ونقوشها مستوحاة من بقع جغرافية مختلفة، بعض هذه اللوح لامعة ناصعة
ألوانها براقة تسر الناظرين وبعضها يُغطيه التراب الذى يجعل صورتها باهتة
مطموسة الملامح رغم روعة ألوانها الباهرة.
يا مصر خيراتك وفيرة… يغطيها تراب الحقد والغيرة… والماهر من
يعرف كيف ينفض من أمامه التراب بأنفاس عميقة… أو يطمسه التراب
وتقوى عضلات الفاسدين… ويختنق من زفيرها الملوث.
أول مرة أطل فيها على نهر “السين” عام 1997 بعد الترشح للسفر
من قبل المركز الثقافي الفرنسي وحضرت دورة في مدينة بوزنسو نبمركز
اللغويات التطبيقية لمدة شهر. في هذه المدينة الرائعة التى ولد بها الكاتب
الكبير ڤيكتور هوجو وامتدت سيقان الحافلة فى زيارة خاطفة إلى “سويسرا
واستراسبورج” ثم قضيت بضع أيام فى باريس.
وظل حبي للربوع الخضراء وصوت الصمت يُدوَّى فى أُذني التي غرقت
طبلتها فى ضوضاء القاهرة وظل صدى الصمت يلاحقنى ويلح لأعود إلى
رابع دولة على مستوى العالم فى استقبال الطلاب حيث تجوب اللغة الفرنسية
فى اثنتين وثلاثين دولة من بين خمس قارات وخامس قوة اقتصادية. وخمس
مساحة الإتحاد الأوربى وأكثر بلدان أوربا اتساعًا ما بين بحر ومحيط وأمرُّ
فوق أعلى قمم أوروبا الغربية. واقترب أكثر من مستقر وبيوت المخترعين
فيها أمثال بليز باسكا ل مخترع الآلة الحاسبة عام 1639 ، و رنينه لني كمخترع
السماعة الطبية عام 1818 ، ويوجين وفريدناد كاريه مخترع الثلاجة عام
1858 و ميشيل مخترع الدراجة البخاريه ورنر عام 1897 ومكتشفى عنصر
الراديوم المشع ماري وبيير كور يعام 1903 .
وأملي فى استكمال دراستى فيها ظل لا يفارق خطواتى حتى أكرمنى
الله بعد ثمانية أعوام بطوق نجاة وشعاع من نور وسط دلجة حالكة حيث
كانت القراصنة تحاول خرق هذا الطوق لأهوى فى السقوط فكنت ألهث
وراء هذا الطوق وأدفع بنفسى من خارج القاع وامتطي مركبًا صغيرًا
شراعه شهادات وصور وأوراق مترجمة من العربية إلى الفرنسية.
وكان بزوغ النهار وقت الترشح لبعثة إشراف مشترك من قبل جامعة
“طنطا” وفتح القناة العلمية مع جامعة “السوربون” الجديدة بباريس 3
وظللت أنهل من هذا النبع حتى عام 2007 ، وظل طيف المكان يحوم حولي
والتواصل مع أساتذتي وأصدقائي بفرنسا يهون عليَّ الفراق. ولكن كيف
يهون عليَّ فراق الكاتب ميشيل ديو ن والبروفسير اندريه داسب. أفتقد
مراسالاتهم وكلماتهم التى كنت استقبلها بكل شغف وحب.
وبعد خمسة أعوام عُدت لأطوف حول جامعة السوربون، ومع الهواء
النقى المنبعث من عبير الزهور وعشق التغيير والمحافظة على النظافة والجمال
تتأخر ملامح الشيخوخة ليست شيخوخة الجسد! بل شيخوخة الأحلام
المتعسرة والمتحسرة فى جو بعيد عن الحداثة المكبل وسط حرق الحسد للجسد.
وتتأخر خطوات الشيخوخة وينبض القلب بالحيوية والشباب مع
استمرار العمل بعيدًا عن الكسل. والشباب هُم نبض المجتمع وبذوره.
يحتاج للحوار الناضج المتأمل الملىء بالأمل. هل ستسرع الرحلة خطوات
الزمن بين التاريخ الفرعونى العريق والحاضر الغريق….؟ هل سيتمكن
المسافرون من تحنيط الموتى بد لا من تحنيط الأحياء….؟
فى وسط السحب المحملة بهذة التساؤلات وربما الأحلام…. أرجو
أن أقضي معظم وقتي فى منزل بحديقته الظليلة فى باريس.
ومثل ما فى القلب من بطينين وأذينين
ومثل ما فى العقل من فصين
مصر وفرنسا هما لي جناحان.
ولكن هل مع عصر الانترنت وقصر المسافات الجغرافية بين دول العالم
هل هناك حاجة إلى للسفر والتنقل والترحال؟
==
الكتاب بمكتبة ادراك والمكتبة القوميه الحديثة بطنطا
Anbaa Aldelta انباء الدلتا