فى هذا الزمن توحش بنى البشر واصبح لأبليس بصمات على كل الجرائم التى يرتكبها الانسان .
أصبحنا نعيش فى غابة مليئة بالوحوش من بنى البشر ، فالتوحش أصبح لفظ غير مقصور على الحيوانات الكاسرة التى تعيش فى الغابات المظلمة والتى تبحث عن فريستها بدافع الغريزة والبقاء ، ولكن المقارنة الكبرى تكمن فى ان الطبيعة لم تعرف سلوكاً تدميرياً يتجاوز حدود البقاء الا حين استوطنها الإنسان ، توحش بني آدم ليس مجرد تعبير مجازي بل هو ظاهرة سلوكية ونفسيه واجتماعية تتجلى عندما يتجرد الإنسان من إنسانيته وقيمه ليصبح المخلوق الأكثر خطراً على بني جنسه وعلى كوكبه.
فعندما نجد فى مجتمعنا اليوم الأم التى تقتل ابنائها بحجة الفقر ، والأب الذى يغتصب ابنته بدافع الشهوه ، والابن الذى يقتل ابيه طمعا فى المال ، والأم التى تقتل ابنها شنقاً لانه شاهدها فى مشهد مخل مع رجل غير أبيه ، والزوج الذى يقتل زوجته قسوةً منه ووشايه من أهله ، والزوجه التى تقتل زوجها بمشاركة عشيقها ، والمنتحر والمنتحرة بسبب الاكتئاب، والمسن الذى يغتصب اطفال صغار، والعم الذى يغتصب بنات أخيه، والأخت التى تحمل سفاحاً من اخيها، والام التى تُلقى برضيعها على ارصفة الطرقات او فى الخرابات والابنه التى تقتل امها بسكين بارد وغيرها وغيرها من الجرائم التى تُرتكب بفعل الشيطان الذى يُسيطر على العقول ليطمِسها والقلوب ليُحجرها، هكذا هم هؤلاء شياطين على الأرض تتحرك وترتكب أبشع الجرائم، التى لم نكن نسمع عنها إلا فى حالات فردية شاذة ، والأن أصبحت ظاهرة متكررة يومياً.
منذ فجر البشرية ، وتحديداً منذ اللحظة التى رفض فيها إبليس السجود لآدم كِبراً وعنداً ، أعلن حرباً خفية ومستمرة ضد الإنسان، هذه الحرب لا تعتمد على المواجهه المباشرة بل على التسلل الناعم والوسوسة تاركاً خلفه بصمات واضحة فى كل مأساة إنسانية تشهدها الأرض.
حين ننظر إلى اشد الجرائم بشاعة فى تاريخنا وحاضرنا ، كالقتل والأغتصاب والنهب والخيانة، نحن لا نرى مجرد سلوكيات بشرية منحرفة بل نرى تجسيداً حياً لخطوات الشيطان وبصماته الدامية التى تدفع البشر نحو التوحش والتخلى عن انسانيتهم.
ان الهدف الأسمى لإبليس ليس دفع الإنسان لارتكاب ذنب عابر بل هو الوصول بالإنسان إلى حالة التوحش الاخلاقى، ويتم ذلك عبر خطوات متدرجة، تبدأ بصغائر الذنوب وتبريرها ثم تزيين الخطأ وقلب المفاهيم ثم الأستحواذ والسيطرة على الفكر والشعور، ومحو كل الحدود الأخلاقية ليصبح الإنسان أداة طيعة ينفذ أجندة الشر على الأرض تلقائياً .
قال تعالى محذراً بسم الله الرحمن الرحيم( استَحْوذَ عَلَِيهمُ الشيطانُ فأنسَاهمُ ذِكرَ اللهِ ، أولئكَ حِزبُ الشيطانِ الاَ انَ حِزبَ الشيطانِ هُمُ الخَاسرونَ ) صدق الله العظيم.
ان مواجهة هذا التوحش يتطلب طوق نجاة يتمثل فى الوعى بخطوات الشيطان وادراك المشاعر السلبية المفاجأة كالحقد الأعمى والشهوة الجامحة والطمع الشديد والغيرة القاتلة، والاستعاذة منها فورياً ، وكذلك إحياء الضمير والفطرة، والذى يتمثل فى الوازع الدينى والأخلاقى والتمسك بالقيم الانسانية والشرائع السماوية التى حرمت هذه الأفعال تحريماً مطلقاً ، واخيراً وليس اخراَ تنمية التراحم الإنسانى، وتنشئة الأجيال على المودة والرحمة والحلم والعطاء والبذل والرضا ومراعاة الآخرين والتقرب إلى الله بالأعمال الصالحة والأقوال الطيبة وحسن العبادة، واحترام سلطة القانون والعدالة، وتوعيتهم بان قوة الإنسان تكمن فى كبح جماح غريزته وتوحشه لا فى إطلاق العنان لهما وفى ضميره اليقظ دائما فى كل أمور حياته.
فى النهاية الإنسان هو صاحب القرار فإما ان يستسلم لوساوس الخناس ليكون نسخة مشوهه وتائهه فى غابة التوحش وإما ان يستمسك بالعروة الوثقى ليحافظ على إنسانيته ونورانيته التى سجدت لها الملائكة يوما ما .
Anbaa Aldelta انباء الدلتا