في المشهد السياسي المعاصر، باتت محاولة الترشح للانتخابات البرلمانية كـمرشح مستقل دون الانضواء تحت لواء حزب سياسي قوي بمثابة “انتحار سياسي”. هذه ليست مجرد مبالغة، بل حقيقة دامغة تفرضها وقائع المشهد الانتخابي، وتُثبتها المؤتمرات الجماهيرية الأخيرة والقدرة الهائلة للأحزاب على الحشد والتأثير.
تُظهر الحقائق على الأرض أن التنظيمات الحزبية هي الأقوى بلا منازع في معركة حشد الأصوات، وهي بالتالي الأقرب للفوز بالمقاعد البرلمانية. خذ على سبيل المثال حزب مستقبل وطن؛ بلمسة زر على الهواتف، يستطيع هذا الحزب أن يجمع عشرات الآلاف من المواطنين في أي مؤتمر شعبي، سواء في المدن الكبرى أو في الأمانات الحزبية بالمحافظات. يجلس هؤلاء الأفراد لساعات طويلة، لا يملّون ولا يكلّون، مدفوعين بـحب وانتماء حزبي عميق لما يُطرح على المنصات.
هذا الولاء ليس عشوائيًا، بل هو نتاج تنظيم دقيق؛ فهؤلاء الأفراد يتبعون الحزب تنظيميًا، ويقفون أمامه في لجان الاقتراع بكل حماس وتعصب لدعم مرشحيهم، ما دام شعار الحزب يزين صورهم.
وهم “المؤتمر الحاشد”: محاولات فردية ضعيفة
في المقابل، تبدو محاولات بعض المرشحين المستقلين لمجاراة هذا الواقع أشبه بـمهزلة سياسية. قد ترى أكبر مؤتمراتهم لا تتجاوز المئة شخص، يجلسون للاستماع بشكل عشوائي، دون أي انتماء حقيقي للمرشح. ورغم هذا الواقع الهزيل، يصرّ هؤلاء على وصف تجمعاتهم بـ”المؤتمرات الحاشدة”. هذا العدد الضئيل من المستمعين لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يشكل قاعدة دعم حقيقية للمرشح، أو يضمن ذهابهم إلى لجان الاقتراع، فضلًا عن قدرتهم على حشد أي أصوات إضافية.
إنها مجرد محاولات فردية تفتقر لأدنى مقومات التأثير.
من يتجاهل هذه الحقائق، يدفع ثمنًا باهظًا. هذا التجاهل غالبًا ما يكون ناتجًا عن عمى البصيرة أو التأثر بمن يحجب عنه الحقائق، مما يدفعه إلى إهدار جهده وماله ووقته في سباق خاسر. إنها رحلة محكوم عليها بالفشل مسبقًا، سيشعر بها المرشح عندما يستيقظ على خبر سقوطه أمام الأحزاب والتنظيمات التي لا تتردد في ضخ الأموال بسخاء على حملاتها الانتخابية.
هذه الأحزاب لا تكتفي بالإنفاق، بل تقدم وعودًا براقة للشباب في المدن والقرى بتمكينهم سياسيًا في المستقبل، من خلال مجالس محلية أو مناصب سياسية. وهذا ما يفسر التفاني الذي نراه من مؤيدي الأحزاب، الذين يتوافدون على اللجان منذ الفجر، ويبذلون قصارى جهدهم لحشد الأصوات ودعم مرشحيهم بكل تفانٍ.
إذا كان طموح المرشح المستقل لا يتعدى الحصول على لقب “مرشح مجلس نواب سابق”، فليتقدم. ولكن يجب أن يلوم نفسه فقط على النتائج. صحيح أن التاريخ يذكر بعض المستقلين الذين نجحوا في الفوز بمقاعد، لكن هذا النجاح يأتي بشروط قاسية جدًا:
الشخصية ومدى التأثير: يجب أن يتمتع المرشح بشخصية قوية وقدرة على التأثير العميق في دائرته.
الموقع الجغرافي: غالبًا ما ينجح المستقلون في الدوائر البعيدة عن مراكز القوى الحزبية الكبيرة، مثل طنطا ومراكزها، وزفتى، والسنطة، وسمنود.
الصور لا تكذب. حتى لو لم تستطع عدسات الكاميرات رصد كل زاوية في المؤتمرات الحزبية الضخمة بسبب الأعداد الغفيرة من الجماهير التي احتشدت لساعات لدعم مرشحي حزب مستقبل وطن في الغربية، فإن ما تم رصده كافٍ.
الآلاف من الرؤوس المتعصبة سياسيًا لكيانها الحزبي هي دليل ملموس على الواقع. من يغفل عن هذه الحقائق، فإن ذلك يعود إلى طريقة تفكيره المغلوطة ومدى استسلامه لأوهام بعيدة عن أرض الواقع.
Anbaa Aldelta انباء الدلتا