تستوقفنا كثيراً تلك المقارنة البليغة بين القلم والورقة؛ أحدهما يفرغ كل ما في أحشائه ليعطي، والآخر يستقبل كل شاردة وواردة ليحتفظ بها. وفي نهاية المطاف، يفرغ الأول من حبره وينتهي دوره، بينما يمتلئ الآخر بالذكريات والسطور.
هذه الصورة الرائعة ليست مجرد خاطرة أدبية، بل هي مرآة حقيقية تعكس واقعاً نعيشه داخل البيت المصري، وبين الأسر، والعائلات، والإخوة، وحتى في مجتمعات الأصدقاء.
الأب أو الأم (القلم الذي ينزف حبراً): تجد أحدهما أو كلاهما يسكب صحته، وأعصابه، وراحة باله يوماً بعد يوم، لكي يمنح الأبناء والأحفاد حياة كريمة. يعطي بلا حساب حتى يفرغ “حبره” وتضعف قوته، متحملاً المشاق في صمت دون أن يشكو.
الأخ الأكبر أو “كبير العائلة”: ذلك الذي يحمل هموم الجميع، يصل الأرحام، يتدخل لحل المشكلات، ويضحّي بوقته وماله ليبقى شمل العائلة مجتمعاً.
الطرف الصامت (الورقة التي تحتفظ بكل شيء): قد يكون الابن أو القريب أو الصديق الذي يختزن الوجع، ويتلقى صدمات الحياة أو زلات الأقارب دون أن ينطق، ويمتلئ صدره بالذكريات والآلام الخفية التي لا يراها أحد.
هذه الجروح الخفية هي التي تنشأ بين الأخوة وأصحاب الرحم؛ حينما يعتاد طرفٌ على التضحية والعطاء، بينما يعتاد الطرف الآخر على الأخذ والاستقبال فقط، حتى يصل المعطي إلى مرحلة الجفاف والإنهاك النفسي.
إن قوة المجتمع المصري تكمن في التكافل وصلة الرحم والجدعنة، ولكن هذه القيم السامية تنهار عندما تصبح العلاقات قائمـة على طرف “يسكب كل ما بداخله” حتى ينتهي، وطرف آخر لا يشعر بحجم هذا الاستنزاف.
في صلة الرحم: لا ينبغي أن تكون الصلة عبئاً على طرف واحد؛ يسال هو دائماً، ويزور هو دائماً، ويبادر هو بالصلح دائماً. التواصل الإنساني سكة ذات اتجاهين.
بين الأصدقاء والإخوة: الصداقة والأخوة السليمة تتطلب الموازنة؛ أن تسندني وأسندك، أن تسمعني كما أسمعك، ألا ننتظر من “القلم” أن يكتب حتى يربك حبره الأخير دون أن نسأل: هل تعبت؟
عزيزى القارئ / القارئة
إن الحفاظ على دفء الأسرة المصرية وتماسك العائلات يتطلب منا جميعاً مراجعة نفوسنا:
تفقدوا المعطاء في حياتكم: ابحثوا عن ذلك الأخ أو الأب أو الصديق الذي يبدو دائماً قوياً ومعطاءً، وادعموه قبل أن يفرغ حبره.
الرفق بأصحاب الجروح الخفية: هناك من يحمل في قلبه عتاباً أو ألماً صامتاً كي لا يفسد للود قضية؛ افهموا صمتهم وداووا جراحهم بالكلمة الطيبة والمبادرة الصادقة.
التوازن في صلة الرحم: لتكن صلة الرحم قائمة على التبادل والتقدير، لا على الواجب الثقيل والمجاملات الجافة.
العلاقات الإنسانية والرحمية لم تُخلق لكي يستنزف طرفٌ طرفاً آخر حتى الفناء، بل خُلقت لنتشارك الحبر والورق، ونكتب معاً صفحات من المودة والرحمة. دعونا لا ننتظر حتى يجف حبر من نحب لنعرف قيمتهم، ولنكن جميعاً سنداً ودفئاً لبعضنا البعض.
Anbaa Aldelta انباء الدلتا