دلالات تربوية في فهم معاني الحياة
بقلم : ا د /محمد ابراهيم طه
استاذ أصول التربية
كلية التربية -جامعة طنطا
بحسب اثنين من أكبر علماء النفس في بريطانيا “مايرز & توينجي” فإننا كلنا بالسليقة علماء نفس.. والسبب هو وجود نزعة لا تقاوم لدى الفرد لتفسير سلوكه وسلوك الآخرين بشكل سريع يساعد على اتخاذ مواقف بإزاء التصرفات التي نواجهها آنياً، بإرجاع التصرف الذي يقوم به أحدهم لسبب أو لغرض ما.
هذا الميل لتفسير السلوك يساعد المرء على توقعه ومن ثم السيطرة على المواقف الحياتية لاحقاً، سواء بمواجهتها أو بتجنبها، بغية النأي عن الإساءة أو الوقوع في الضرر
فقد يتحدد رد فعل أحد الزوجين حيال تعليق جارح من شريكه
فمثلاً: “الا يستطيع هذا الكائن وضع أحذيته في مكانها يوماً؟”
قد يترجم إلى “هذا الأنسان حاد وغير صالح للتعامل الأدمي”
على أن شريك أخر قد يسمع التعليق ذاته، فيفهمه على هذا النحو
: “من الواضح أن زوجي قد أمضى يوما شاقاً بعمله”.
الأول استسهل ادانة ودمغ الشخصية بخصال ثابتة لها صفة الديمومة في تصرفاته ما سيؤثر سلباً على نزعاته في التعامل معه لاحقاً ما ينبئ بمشاكل قد تؤدي لتقويض العلاقة الزوجية،
أما التفسير الثاني فقد حصر الإهانة في سياقها أخذًا في الاعتبار الضغوط الحياتية اليومية التي يتعرض لها الشريك، ما قد يبشر بإحتواء الموقف سيما لو لم يتكرر بشكل يعنون أن هذا المرء ديدنه التسفل.
والمُشكل بحسب “مايرز” أنه قلما يتمكن المرء من التحكم في رؤيته للأمور التي تخضع غالباً للحدس والإنطباعية.. هذا الحدس يشكل مخاوف الفرد ويجسدها بل يضاعفها بناء على ما استند عليه من فهم في عقله اللا واعي.
وقد أكد “فرويد” أن التفكير يحدث سريعاً في كواليس النفس بشكل ارشادي، عفوي واستدلالي عن طريق العواطف الفورية والإتصال غير اللفظي والتعامل مع المواقف على مستويين واعي، وآخر لا واعي وآلي.
وقد أشار الى هذه “المعادلة المزدوجة ” عالم النفس “دانيال كانيمان”
المعضلة الحقيقية في كوننا نميل لتفسير المواقف تفسيراً فطرياً بالحس السليم
والغريب اننا لا نستخدم هذا الحس إلا لاحقاً، بعيد تيقننا من النتائج، فتظهر الجملة الأشهر:
“كان قلبي حاسس”
أو “كنت شاكك، لكن متأكد”
فيري “مايرز”: ان الأحداث تكون أشد وضوحاً وأكثر قابلية للتوقع بالإدراك المتأخر، فحينما يـتأكد الانسان قطعياً من النتائج، فيتولد لديه شعوراُ أن الموضوع كان بديهياً للغاية، فيتعجب “كيف فاتتني!”.
فكم من امتحان أجريته ثم تخرج من القاعة وأثناء مناقشتك مع زملاؤك، تدرك الإجابة الصحيحة، دون أن يخبرك أحد بها، فتتأكد أنك اجبت بشكل خطأ رغم علمك بالإجابة الصحيحة .. لكنك أدركتها .. بعد فوات الأوان!
وقد قالتها الفيلسوف الدانماركي“سورين كيركيغارد”
:”إننا نعيش الحياة إلى الأمام، ولكن نفهمها بأثر رجعي للخلف”.
و تلك هي الطامة!
فكم من موقف مر عليك وخرجت منه ثم قلت لنفسك
:”كان على أن أرد بهذا القول الحاسم أثناء الحدث نفسه”
على أنك لم تستدعى الإجابة الصحيحة في حينها!
– كم من طبيب أهدر سنوات من عمره في دراسة الطب، ثم درس ثانية لنيل ماجستير والدكتوراه، و بعد كل هذا العمر المهدور، يهجر الطب ويختار العمل بمجال الأدب أو الفن لأنه أدرك طريقه متأخراً.. ثم يقول في نفسه:
”اما كانت تخبرني أمي دوماً أني موهوب في الرسم.. كيف لم الحظ ميولي الفنية إلا متأخراً؟”
– كم من زوجين هرما على الوسادة ذاتها، ثم اكتشفا قبيل الغرغرة، أن كلاهما عاش مع الشخص الخطأ، وأنهما لم يوفقا في اختيار شريك العمر، فيقع الإنفصال في الوقت الضائع من العمر.
كم من مريضة على قدرٍ عالي من التعليم والثقافة ذهبت لطبيب وكشفت لديه، ثم هالها ما سمعت عن سوء سمعته لاحقاً، ففهمت أن ما شعرت به أثناء كشفه لها لم يكن لأغراض طبية .. فتدرك متأخرًا، أنه حيك لها عملية تحرش مستترة!
كم من أخت أو زوجة أو سواهما وقّعن على توكيلات عامة تجيز للموكلين التصرف التام في ممتلكاتهن بل وفي خيارتهن وقراراتهن، ليدرك المُوَكل لاحقاً انه قد تم استنزافه عاطفياً واجتماعياً للتوقيع باسم العرف أو تحت وطأة ضغوط مورست عليه لإثبات الثقة .. وإلا نُعت بالتخوين!
وكم من خل استقرض سلسلة من القروض من خله، ليدرك المُقرض لاحقًا أنه قد تم استحلابه مادياً للحصول على لقب “الخل الوفي”.
:”وهات أي شيء معك وأنت جاي من السفر ..ولو سبحة كهرمان “
علمًا بأن جرام الكهرمان يقارب ثمن جرام الذهب.
فتهدر عقود من عمر وعقود من كهرمان ومن نقد، حتى يتبين للمغفل أن صديقه استغله واشترى عقار تمليك، بينما المقرض يسكن بإيجار.. فيفهم الأخير -أخيراً- أن العلاقة لم تكن صداقة .. بل حماقة!
كثيراً ما تنهض قوة السند الإجتماعي فتقودنا لإجراء تصرفات تخالف قناعاتنا وقلما نفهمها إلا لاحقاً، ما يفسر سهولة الاعتداء الجنسي على الأطفال من قبل المحارم من ذوي القربى، من المدرسين، من الكهنة ومحفظين القرآن وأحياناً الخدم، بما يحملونه من سند مجتمعي وقرابة بل وموثوقية تجعل الصغار يقعون بسهولة في براثن جرائمهم.
حتى الدول قد تقع في فخ الفهم المتأخر حين تتهاون في أخذ التدابير اللازمة إذا تجاهلت التحذيرات المتعلقة بتصحيح سياسات معينة، كما حدث في أمريكا بعد كارثة النفط في الخليج 2010 ، فمعظم المتخصصين قالوا ان إجراءات تصحيح السوق بدت واضحة لكن بعد فوات الأوان.
-وقد اعترفت “جولدمائير” أنها أخطأت التصرف حيال الأخبار التي أفشاها لها الملك حسين عن موعد الضربة المصرية – السورية لها.. فخسرت حرب اكتوبر لسوء تقديرها اثناء الحدث ثم تداركته لاحقاً.. فلم تكن تستوعب أن ملكاً عربياً يشي بهكذا خبر عن بني قومه .. على أنه فعلها واعترف علناً بذلك خشية توريط بلاده في حرب لا يحتمل عواقبها فكان كمن يبرئ ذمته أمامها.. إذن، فحتى على مستوى الدول لا تتضح الرؤى –أحياناً – إلا متأخراً!
ورغم ثقة الإنسان بآرائه وبالجوهرة الموضوعة أعلى جسده والمعروفة بالعقل، إلا أن كثر من البشر تختلط عليهم الأمور ولا تتضح الرؤية وهم في خضم الحدث.. ولكن بعدما ينأون قليلًا عن الموقف، كما يبتعد المرء عن المرايا قليلا لتتجلى صورته .. فتتضح الرؤية جلية وتظهر الإجابات الصحيحة ، بل تبدو شديدة البداهة، فيدرك الانسان متأخرا أن فلان لم يكن صديق بل متربح وأن علان لم يكن يحبه، بل كان يحب المكتسبات التي يتحصل منها من خلال صداقته.
لقد كتبها صراحة “أفونسو كروش” في رائعته “دمية كوكوشكا”:
“ما علينا سوى الابتعاد بضع كيلومترات مؤلمة كي نتمكن من أن نراه، إننا قريبون أكثر من اللازم كي نرى. علينا أن نُبقي مسافة.”
و قد رأينا أعداد ليست قليلة لاتولي أهمية لأخذ تدابير وقائية لوباء ك”كورونا” في أول الامر، بل وصل التهاون مع المرض الخطير للتعاطي معه بشكل ساخر.. فالغالبية فهمت بشكل متأخر جداً أن الامر جلل وأن أخذ الاحتياطات منذ البداية كان سيوفر إزهاق الأرواح!
وقد يشعر الانسان في ظل وجود وباء عالمي أن المشكلة تتعلق بمسألة تعقيم وفيروسات ومؤامرات دولية فحسب، في حين يتأخر البعض في فهم أن غلق بيوت الله في وجه البشر يعني أيضًأ غضب شديد من رب العباد يستوجب اعادة النظر في العلاقة مع الله وفي نفس الوقت الأخذ بالأسباب؟
ومن هنا فلندعوا بدعاء الرسول(صلي الله عليه و سلم):
“اللهم ارنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه.. وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه”.
Anbaa Aldelta انباء الدلتا