سقطت تفاحة فعرفوا معنى الجاذبية، وسقطت آلاف الجثث ولم يعرفوا معنى الإنسانية” كصدى مؤلم لحال العالم اليوم، وتتجسد هذه المفارقة بأكثر صورها قسوة ووضوح في غزة. إنها ليست مجرد ملاحظة فلسفية، بل هي اتهام صارخ يوجه للضمير الإنساني الجمعي الذي يبدو وكأنه فقد بوصلته الأخلاقية.
لقد سخر الإنسان عقله البارق لاستكشاف قوانين الطبيعة. فمن مجرد سقوط تفاحة، استطاع نيوتن أن يستنبط قانون الجاذبية الكونية الذي غير فهمنا للكون.
هذا الإنجاز يعكس قدرة بشرية لا مثيل لها على الملاحظة، التحليل، والتنظير. لقد بنيت حضارات على هذه القدرة، وتطورت علومنا بفضل هذا الفهم العميق للعالم المادي.
وعلى النقيض تمامًا، يقف العالم صامتًا أو عاجزًا أمام مشهد أكثر بشاعة: سقوط آلاف الجثث في غزة. أطفال لا ذنب لهم، شباب وأحلامهم لم تكتمل، رجال وسيدات يحملون هموم بيوتهم وعائلاتهم.
كلهم يسقطون، ليس بفعل قوة طبيعية عمياء، بل بفعل صراعات بشرية تفتقر إلى أي معنى للإنسانية. كل جثة تسقط في غزة هي صرخة مدوية في وجه هذا الغياب المريع للمعنى.
الأمر لا يتعلق فقط بالموت، بل بالظروف التي تحيط به. الحصار الخانق، التجويع المتعمد، تدمير البنى التحتية، وانهيار المنظومة الصحية. كل هذه العوامل تتضافر لتخلق بيئة لا تليق بوجود البشر.
بينما يتفنن العلم في تطوير لقاحات لأمراض نادرة، يموت أطفال غزة من الجوع وسوء التغذية والأمراض التي يمكن علاجها بأبسط الأدوية. وبينما نتحدث عن حقوق الإنسان في المحافل الدولية، تُداس كرامة الإنسان في غزة تحت أنقاض المنازل المدمرة.
إن “معنى الإنسانية” ليس معادلة فيزيائية نكتشفها بالملاحظة. إنه فعل يومي، قرار واعٍ، اختيار أخلاقي. هو القدرة على التعاطف مع الآخر، على رؤية الألم في عين طفل غزي، وعلى الشعور بالمسؤولية تجاه معاناة إنسان آخر، بغض النظر عن مكانه أو هلفيته. إنه أن ندرك أن قيمة الحياة البشرية هي الأعلى والأغلى، وأن كل روح تسقط هي خسارة لا تعوض للإنسانية جمعاء.
المفارقة تكمن في أننا أتقنا فهم القوى الكونية التي لا نتحكم بها، ولكننا فشلنا فشلاً ذريعًا في فهم وتطبيق المبادئ الإنسانية التي يجب أن تحكم علاقاتنا كبشر. إن سقوط الجثث في غزة ليس مجرد أرقام في نشرات الأخبار، بل هو دعوة ملحة، بل صرخة يائسة لنا جميعًا لكي نستيقظ ونتعلم معنى الإنسانية الحقيقي، قبل أن نفقد كل ما يميزنا كبشر.
Anbaa Aldelta انباء الدلتا