غدر الزمن بقلم / لميس الحو

الزمن كالبحر تتلاطم أمواجه، ترفعنا حيناً وتقذف بنا حيناً اخرى ، تُسعدنا وتُفرحنا حيناً وتغدر بنا حيناً اخرى .
الزمن كالنهر الجارف الذى لا يتوقف، يحمل فى طياته افراحاً تارة، واحزاناً تارة أخرى، لقاءات وفراقات، حب وجفاء ، هجر وبقاء ،لحظات من المجد والانكسار، ولكن ما أقسى ان نشعر بأن الزمن قد غدر بنا، وتحولت احلامنا إلى رماد، وأن نجد انفسنا غرباء فى طريق، كنا نظنه ممهداً بالورود والرياحين.
غدر الزمن يأتى فجأة ، كصدمة فى الحياة، أو قد يتسلل بهدوء ليسرق منا بهجة الحياة، ويغير ملامحها دون انزار، كأن يُبعد عنا من نُحب او يُهدر أمنية لنا كانت منتهى الحياة، فكم من أصدقاء واحباب فرقتنا عنهم الأيام، وكم من ذكريات كانت يوماً دفىء للقلب، أصبحت مصدر وجع وحنين.
قد يسرق الزمن منا الشباب ويتركنا امام مرآة العمر، وقد ولت الأحلام ولم يتبقى سوى تجاعيد اليأس ومرارة الخذلان.
قد يغدر بنا الزمن حين نمنح الثقة فى إناس، ثم نجدهم أول من يخذلونا فى لحظة باهته، وقد يغدر حين نظن ان الأمور مستقرة وعلى ما يرام، فتأتى العاصفة من حيث لا نتوقع ، فالزمن حين يغدر لا يطرق الابواب بل يتسلل كاللص فى عتمة الروح، ليسرق الضحكة من الوجوه،
كنا نركض خلف الأيام بقلوب بريئة، تحمل الأحلام، كما يحمل الطفل لعبته، نضحك دون ان ندرى ان الزمن يُخبىء لنا وجعاً فى طياته، وأن الطعنات لا تأتى دائماً من السكاكين بل من لحظة خذلان، من غياب غير مبرر، من صديق بات غريباً، من حبيب أصبح بعيد ، من قريب صار أجهل الناس بما يؤلمك ، ما أكثر الناس لكن فيك يا زمن ما أقل الاوفياء.
غدر الزمن ليس حدثاً ، بل احساس يتسلل إلى القلب شيئاً فشيئاً ، حيث نفتح دفتر العمر ونجد الصفحات قد امتلأت بما لم نحسب له حسباناً ، وأُجبرنا على ان نعيش واقعاً لا يشبهنا ولم نكن نتمناه يوماً من الأيام.
ولكن السؤال هنا ،هل الزمن حقاً هو من غدر بنا ،ام ان البشر بتقلباتهم وانانيتهم هم من جعلونا نلقى اللوم على الأيام.
ريما الزمن لم يفعل سوى أكثر
من كشف الحقائق التى كنا نغض الطرف عنها او يُظهر الوجوه على حقيقتها .
ايها الزمن كم كنا نثق بك ،كم غرسنا فيك امانينا وسقيناها بالأمل، لكنك أتيت بالخريف قبل ان نرتوى من الربيع ، ومع ذلك لا مفر منك ،نعود اليك نلملم ما تبقى منا ونكمل المسير بالصبر والإيمان والامل.
غدرك أيها الزمن لن يُطفىء ضوءنا، بل سيجعلنا نُضىء من الداخل ، غدر الزمن لا يغير من معدن الإنسان ولا يُنسى القلب طيبته ،ولا يُغير من نبع الروح النقى ، قد نظل نُعانى من تقلبات الزمن وغدر البشر لكننا لن نسقط لان الأرواح التى اعتادت الخسارات تُتقن الوقوف ولو وحيدة على حافة الحياة.
غدر الزمن لا يعنى نهاية الطريق بل قد يكون بداية لمرحلة النضج الحقيقى ، فناخذ من الماضى عبره ومن الحاضر فرصة ، ولنجعل كل لحظه درساً نعيشه بوعى وشجاعة، لأننا فى النهاية لا نملك التحكم فى الزمن ولكن نملك التحكم فى ردود أفعالنا تجاهه.
فرغم قسوة الزمن احياناً الا انه ايضاً المعلم الاكبر ،يعلمنا الصبر ويمنحنا دروساً لا تُنسى ، يُعلمنا ان القوة الحقيقية ليست فى تجنب الالم ، بل فى القدرة على النهوض بعد السقوط ، وان نصنع من الالم بداية جديدة ، كما يولد النجاح من رحم المعاناة، وكما يولد الفجر من رحم الظلام.

شاهد أيضاً

عندما يرتدي الغدر ثوب الصداقة.. درس قسوة من فاجعة التجمع الخامس … بقلم / اشرف عبوده

    ​لم تكن الجريمة المروعة التي شهدتها منطقة النرجس بالتجمع الخامس مجرد حادث جنائي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *