لسنا هنا بصدد تفسير الآية الكريمة فى كتاب الله العزيز ، ولكن بصدد قضية هامة وظاهرة خطيرة يعانى منها المجتمع ، تتفاقم آثارها السيئة وتتعدد حتى انها تصل إلى ارتكاب الجرائم.
والحديث هنا ليس تعميماً ولكنه قاصراً على حالات خاصة ولكنها أصبحت كثيرة جداً ، الظاهر منها والخفى اعظم ، بعض الاسر بداخلها قنابل موقوته تتأهل فى اى وقت للأنفجار.
ان قضية قهر الرجال للنساء ليست مجرد صراع عابر بين جنسين بل هى قضية شائكة ومعقدة وظاهره ضاربه فى عمق التاريخ، تتداخل فيها العوامل الثقافية والاجتماعية والنفسية، هو ليس مجرد فعل فردى بل غالباً ما يكون نتاج تراكمات
ثقافية وتربوية خاطئة ، ورغم التقدم الذى احرزته البشرية فى ملف حقوق الإنسان، الا انه ما زالت اشكال القهر وألوانه تتشكل لتتناسب مع العصر الحديث.
قهر الرجل للمرأة ليس مجرد خلاف منزلى مغلق بل هو فتيل مشتعل يمتد اثره ليشعل حرائق فى المجتمع ككل.
عندما يُمارس القهر بشكل منهجى فأنه يخلق بيئة خصبة لجرائم قد تبدوا للبعض مفاجئة، لكنها فى الحقيقة نتيجة طبيعية لضغط طويل، وبالتالى يتحول القهر من سلوك فردى إلى ازمه أمنية ومجتمعية.
القهر ليس دائماً فعلاً مادياً ظاهراً كالضرب او التعنيف، بل هو فى جوهره سلب للاراده وتهميش للكيان بأكمله.
يبدأ القهر عندما ينظر الرجل للمرأة ككائن تابع لا كشريك فى الحياة مساو له فى الحقوق والواجبات.
ومن اشكال القهر للمرأة، القهر النفسي ويعني التقليل من شأنها والتشكيك فى قدرتها والنظر لها نظرة دونية ، وايضاً القهر الاقتصادي ويتمثل فى حرمانها من ذمتها المالية والاستيلاء على راتبها او منعها من العمل او الزج بها إلى العمل لتتولى هى الصرف والانفاق .
ومن الوان القهر ايضاً القهر الفكرى ومنعها من التعبير عن رأيها او اتخاذ اى قرار يخصها ، وكذلك القهر الاجتماعى والمجتمعى الذى يفرض عليها قيود بموجب العادات والتقاليد، واخيراً القهر العاطفى وحرمانها من شعور الموده والرحمة اوطعنها بالخيانة ومن ناحية اخرى استخدام الابتزاز العاطفى اى استخدام مشاعر الامومه والتهديد بالفقد للضغط عليها لتقديم تنازلات، وهذا ما يخص العلاقة الزوجية، الا ان هناك حالات فردية تتعرض فيها المرآة للقهر من الرجل كالخذلان الذى يسببه لها عندما يتخلى عنهافى علاقة ارتباط بعد تعلقها به ، وتلاعبه بمشاعرها فهناك بعض الرجال غزاة قلوب يقتحمونها يُدمرونها ويتركونها اشلاء.
وهنا نقف امام سؤال لماذا يمارس بعض الرجال القهر على النساء ؟
فالأمر غالباً لا يتعلق بالقوة البدنية بل بالضعف الداخلى الذى يرجع إلى
الموروث الثقافى والتنشئة الخاطئة، عندما يتربى الطفل على ان الرجولة تعنى السيطرة والتحكم واخضاع الأنثى ، فانه يعيد إنتاج هذا القهر فى بيته مستقبلاً ، وكذلك الشعور بالنقص وهشاشة الثقة بالنفس حيث يلجأ بعض الرجال للقهر كدرع دفاعى لانهم يخشون من نجاح المرأة واستقلالها لانها تهدد شعورهم الزائف بالتميز ، وايضاً التفسير المغلوط ويعني تأويل القيم الدينية والاجتماعية بشكل يخدم النزعة السلطوية متجاهلين قيم المودة والرحمة والمساواة فى الكرامة والانسانية.
ومن الآثار المترتبة على القهر الفشل السريع للعلاقة الزوجية بين الرجل والمرأة، فقهر المرأة لا يضرها وحدها بل هو طعنة فى قلب المجتمع بأكمله، حيث يؤدى إلى حالات طلاق كثيرة وتفكك اسرى ليصبح بيئة خصبة لإنتاج اطفال غير سويين نفسياً ، فاخطر ما فى القهر ما تراه أعين الاطفال مما يتسبب فى صناعة مجرمين، حيث ينشأ الطفل وهو يحمل ميولاً عدوانية تجاه المجتمع تتطور مستقبلاً إلى جرائم جنائية.
القهر النفسي الشديد التى تتعرض له المراة يؤدى إلى حالات انتحار بين النساء وهى جريمة فى حق النفس يذهب ضحيتها أرواح برئية بسبب غياب الأمان، المرأة المقهورة تعطيل لطاقات المجتمع حيث انها لا ُُتُنتج لاتُبدع لا تُربى اجيالاً واعية مما يضعف من اقتصاد الدولة ويزيد من نسب الفقر والجهل وهما المحركان الرئسيان لأغلب الجرائم
القهر يولد الغضب، والغضب المكتوم ينفجر بأشكال كارثية كحالات العنف المضاد ،ففى حالات اليأس القصوى والشعور بانسداد الافق، قد تلجأ المرأة للدفاع عن نفسها والانتقام بوسائل عنيفة تؤدى إلى ارتكاب الجرائم.
ورغم وجود قوانين تُحرم العنف الا ان القهر غالباً ما يكون مستتراً خلف الأبواب المغلقة لذا يحتاج المجتمع إلى وعى جمعى بأن كرامة المرأة من كرامة المجتمع، وكذلك ضرورة توفير منصات آمنه للتبليغ والشكوى قبل ان يتحول الضغط إلى انفجار وجريمة.
خلاصة القول المجتمع الذى يقهر نساءه هو مجتمع يزرع بذور فنائه بيده ، لأن الأم المقهوره والمكسوره لا يمكنها ان تبنى رجلاً سوياً او وطناً آمناً .
فبربكم ايها الرجال ارجعوا إلى كلام الله فيه منهاج حياتكم وشفائكم من التسلط والتجبر والانانية والقهر وعدم تحمل المسؤلية والتخلى عن من اودعهم الله امانه فى ايديكم.
Anbaa Aldelta انباء الدلتا