أسعد لحظات المؤمن … بقلم / اشرف عبوده

أسعد لحظات المؤمن

بقلم / اشرف عبوده

 

يُعتبر الموت من الحقائق الأساسيّة في الكون، ويعاينه الإنسان فيمن حوله، وسيمر به لا محالة، وقد اهتمّ الكثير من العلماء بموضوع الموت وماهيّته وما بعده من الجزاء والثواب ومن الحساب، ويتردّد على ألسنة الكثير من الناس سؤالهم بالحكمة من موت الإنسان، وكيف يحصل الموت، ورغم تقدّم العلم واتّساع المعارف واشتهار المعدّات الطبيّة الدقيقة إلّا أنّ الموت حقيقة لا بدّ من وقوعها على كلّ إنسان، فلماذا يموت الإنسان؟
هذا الموضوع خطير ومهم ولصيق بأي إنسان، قد تتكلم عن الزكاة فهو موضوع رائع, ولكنك تقول: ليس لي علاقة بالموضوع فليس عندي أموال أملكها، الموضوع دقيق وعميق وعليه أدلة، لكن ليس لك علاقة به فأنت فقير، قد نتكلم عن الحج والفقير ليس عليه حج، أكثر الموضوعات تمس أناساً دون أناس إلا الموت, فهذا لا يستطيع قائل أن يقول: أنا ليس لي علاقة، هذا مصير كل إنسان، وهو مصير محتوم.

على كلٍ؛ نحن أمام حدث مستقبلي, ولا نعلم متى يحل علينا؟ والصحة لا علاقة لها، قد يفاجأ الموت إنساناً في أعلى درجات الصحة، وقد يبقى الإنسان طريح الفراش ثلاثين سنة مشلولاً، ويتمنى أقرب الناس إليه أن يموت، لكن الموت لا يعرف شاباً، ولا شيخاً, ولا صحيحاً, ولا مريضاً, ولا قوياً, ولا ضعيفاً.
فالتفكير بالموت لا علاقة له بالتشاؤم أبداً هذا الحدث الذي لا بد منه شئنا أم أبينا, وليس له قاعدة, فقد يخطف الإنسان فجأةً, وبأي عمر, ففي الثلاثينات موت، وفي العشرينات، بالأربعينات، بالخمسينات، الموت ليس له قاعدة إطلاقاً، قاعدته الوحيدة أنه ليس له قاعدة، الشيء الذي تستعد له وتفكر فيه دائماً لا تفاجأ به، بل أنت قد أخذت احتياطات بالغة.
تصور أن طالباً مُجداً لحظة الامتحان, لا تغادر ذهنه طوال العام الدراسي, فحينما يأتي موعد الامتحان  ويدخل إلى قاعة الامتحان, وتوزع الأسئلة, لا يخشى ولا يهاب, فالكتاب قرأه مرات ومرات, وحفظه, وحلله, وفهمه, وأجاب عن أسئلته، واستوعبه, تراه في هذه الساعات الثلاث في أسعد لحظات حياته, لأنه يقطف ثمار عام بأكمله.
المؤمن حينما يدنو أجله يكون في أسعد لحظات حياته, لأنه في هذه الساعة يقطف ثمن عبادته كلها، كل حياته؛ صلواته، ذكره، استقامته، ضبطُ جوارحه، ضبطُ أعضائه، ضبطُ دخله، تربية أولاده، دعوته إلى الله، تجشمه التعب في سبيل الله، انتهى التعب وجاء الإكرام، انتهى التكليف وجاء التشريف، انتهى العمل وجاء الجزاء، انتهى الكدح وجاء التكريم،

و النهي عن تمني الموت، وهذا ‏هو الأدب مع الله عز وجل, فقد أخرج الشيخان البخاري ومسلم: عَنْ أَنَسٍ – رَضِي اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ:

((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: لا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ لا بُدَّ مُتَمَنِّيًا لِلْمَوْتِ, فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي, وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي))

أحياناً الموت يزيد الإنسان شراً, لكنه يقول: يا رب توفني، أحياناً الحياة تزيدك خيراً, رواه الشيخان متفق عليه.
أخرج مسلم في صحيحه, عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال:

((قال عليه الصلاة والسلام:
وَبِإِسْنَادِهِ: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: لا يَتَمَنَّين أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ, ولا يَدْعُو بِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُ, إِنَّهُ إِنْ مَاتَ أَحَدُكُمُ, انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ, وَإِنَّهُ لا يَزِيدُ الْمُؤْمِنَ من عُمْرُهُ إِلا خَيْرًا))

المؤمن كلما عاش يوماً ازداد عملاً صالحاً، فممنوع على المؤمن أن يتمنى الموت، بعضهم يدعو الله يقصف عمره, هذه الدعوات كلها غير شرعية، وإذا شخص دعا على نفسه بقصفان العمر فلا أحد يقول له: آمين, هذه غير لائقة.
وأخرج البخاري والنسائي -رضي الله عنه- قال: قال عليه الصلاة والسلام:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:

((لا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ, إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ يَزْدَادُ, وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ يَسْتَعْتِبُ))

طالما بقي وقت فالوقت فرصة للتوبة.

عن سيدنا سعد بن أبي وقاص، أخرج المروزي, عن القاسم مولى معاوية, أن سعد بن أبي وقاص تمنى الموت، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- يسمع، فقال عليه الصلاة والسلام:

((لا تتمنَّ الموت, فإن كنت من أهل الجنة فالبقاء خير لك، وإن كنت من أهل النار فما يعجلك إليها))

أحد حالين؛ مؤمن أو غير مؤمن، إذا كان مؤمناً كلما عشت يوماً ازداد عملك الصالح ، وإن كانت الثانية فلا بد إنها آتية.
عن ابن عباس-رضي الله عنه- قال عليه الصلاة والسلام:

((لا يتمنَّ أحدكم الموت, فإنه لا يدري ماذا قدم لنفسه؟))

والنبي دخل على بعض أصحابه وعمه العباس يشتكي:
عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ, أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- دَخَلَ عَلَى الْعَبَّاسِ وَهُوَ يَشْتَكِي, فَتَمَنَّى الْمَوْت، فَقَالَ:

((يَا عَبَّاسُ, يَا عَمَّ رَسُولِ اللَّهِ, لا تَتَمَنَّ الْمَوْتَ, إِنْ كُنْتَ مُحْسِنًا تَزْدَادُ إِحْسَانًا إِلَى إِحْسَانِكَ خَيْرٌ لَكَ, وَإِنْ كُنْتَ مُسِيئًا فَإِنْ تُؤَخَّرْ تَسْتَعْتِبْ خَيْرٌ لَكَ, فَلا تَتَمَنَّ الْمَوْتَ, قَالَ يُونُسُ: وَإِنْ كُنْتَ مُسِيئًا فَإِنْ تُؤَخَّرْ تَسْتَعْتِبْ مِنْ إِسَاءَتِكَ خَيْرٌ لَكَ))

هذه بعض الأحاديث التي وردت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تنهى الإنسان عن تمني الموت، هذا أول موضوع من موضوعات الموت, وعندنا موضوعات كثيرة عن الموت, نتناول بعضها في الأسابيع القادمة إن شاء الله تعالى.

شاهد أيضاً

عندما يرتدي الغدر ثوب الصداقة.. درس قسوة من فاجعة التجمع الخامس … بقلم / اشرف عبوده

    ​لم تكن الجريمة المروعة التي شهدتها منطقة النرجس بالتجمع الخامس مجرد حادث جنائي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *