اخرس  بقلم – طلال سيف

اخرس 

بقلم – طلال سيف

 

لماذا لا يثق المصريون فى إعلامهم ؟ الثقة فى مضمونها العام تبنى على الاختبار الذي لا يخضع لمقاييس الاحتمالات المتعددة على ستة أوجه للنرد، إما أنك صادق أو كاذب، وبينهما التلبيس الذي يمكن أن يقبله الآخر على سبيل الفشل الخارج عن الذات، والآتي من ظروف طارئة. لكن ذلك الالتباس سريعا ما يعود بنا إلى الوجهين المحددين بمعاير الصدق والكذب. فالجمهور ليس بتلك السذاجة التي يتخيلها صانعوا المحتوى الإعلامي، بل له القدرة الفائقة على الفرز والتجنيب ولا سيما بعدما تعددت مصادر المعلومات والأخبار والمعارف فى عصر ما بعد بعد الحداثة وثورة تكنولوجيا المعلومات. كان الإعلام المصري وتحديدا التليفزيون الوطني بمثابة مخزون القيمة الصادقة عند المتلقي، عندما كانت خرائطه البرامجية منوعة بين الاجتماعي والاقتصادي والرياضي والعلمي والفني والأدبي مع قليل من السياسة، ثم ما لبس أن تقولبت تلك الخرائط التي تأتي الآن تحت فرضيات الحصار الرقابي الأمني، بتوجهات السير فى مسار دعم الرئيس مهما كان فعله وتحت أي ظرف مهما كانت قيمته، فأدرك المشاهد بعد ردح من الخرائط المتعاقبة أن هذا الجهاز الذي أسس لوجدان المصريين زمنا، أصبح وسيلة أمنية لتمرير الخيبات أو التوجهات السياسية، بغض النظر عن آلام واحتياجات وأحلام المواطنين، فأصبح التليفزيون الوطني يغرد فى جهة، يسمعها المتلقي نشازا، وبجانبه ينأى عنها إلى محطات بديلة، لكنه مع المران أدرك أيضا أن القنوات الخاصة أصبحت هي الأخرى مقبرة موازية لوسيلته الوطنية، ذلك الشعور من قبل المسؤولين جعلهم يفكرون فى إنتاج إعلام بديل، يتوسط المسافة بين الوطني والتجاري، فجاء إعلام الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، وهي شركة مملوكه لجهاز المخابرات العامة المصرية، وقد بدأت بنجاح باهر عندما أنتجت الجزئين الأول والثاني من مسلسل الاختيار، ذلك المسلسل الذي أتى فى جزئيه رائعا، لم يتوقعوا بأن يكون هو القشة التي ستقسم ظهر ذلك الإعلام الوليد، فبدأ المشاهد فى الأجزاء التالية بإدراك أن الشركة الجديدة مقبرة جديدة تضاف إلى السابقتين، وفى محاولة بائسة لتخسير التليفزيون الوطني المتهالك لوجستيا، سيطرت تلك الشركة على مفاصل الحركة الإعلامية فى مصر، بحصرية اللقاءات مع المسؤولين، لحرية التنقل والتصوير فى أي مكان وبأي زمان. ميزات كانت للتلفزيون الوطني ماسبيرو. تم القضاء عليها تماما. فيجد العاملون صعوبة فى الحصول على تصاريح التصوير والوصول للشخصيات المهمة، التي أصبحت حكرا على المتحدة، ناهيك عن طعن العاملين فى قلوب أرزاقهم بعدم حصولهم على مستحقاتهم المالية منذ سنوات، ولا نعرف من السبب فى الإيعاز لقيادات الهيئة الوطنية للإعلام بالسير فى ذلك المسار، ومما يثير السخرية، أن الشركة التي ولدت لتحل محل ماسبيرو تجد مثلا على رابطها على اليوتيوب فى قناتها الإخبارية ست مشاهدات و إعجابين مقابل مئات الملاين المنصرفة على تلك الشركة والتي لا نعرف تمويلها من أين. من موازنة الدولة أم المخابرات أم الصندوق السيادي… أم…؟

خلاصة القول: أن الإعلام الموجه، أو الموجه المستتر، لم يعد وسيلة يثق بها المتلقي، الذي أصبح الآن ينتج إعلامه الخاص بعيدا عما يراه كاذبا من وجهة نظره، سقط الإعلام المصري فى فخ النظرة الفوقية والقرارات الفوقية التي لا تنتج إلا موادا مصورة لا تقدر فى ميزان النقد العلمي بأي مثقال. إن إعادة النظر فى المنظومة الإعلامية ضرورة للحفاظ على المواطنة التي تهتك سترها بفعل الإعلام الفوقي المثير للشفقة، وقد نبهت من قبل على خطورة تلك المسارات الساذجة فى بناء وجدان وطن عريق، وقد تقدمت بدراسات كثيرة للمسؤولين عن إعلام هذا الوطن، فماسبيرو من وجهة نظري، مخزون القيمة الحقيقة لوجدان مصر والمصريين، لكن فى كل مرة وفى كل لقاء يأتيني جوابا مستتر

اخرس

 

شاهد أيضاً

بمشاركة واسعة من الشركات المتخصصة وتوفير 800 فرصة تدريبية وتوظيفية : الدكتور محمود سليم يفتتح الملتقى التوظيفي السنوي بصيدلة طنطا

بمشاركة واسعة من الشركات المتخصصة وتوفير 800 فرصة تدريبية وتوظيفية : الدكتور محمود سليم يفتتح …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *