تدعيم ثقافة الحوار مع الآخر ضرورة تربوية … ا.د/ محمد ابراهيم طه … كلية التربية ـ جامعة طنطا

تدعيم ثقافة الحوار مع الآخر ضرورة تربوية

 

ا.د/ محمد ابراهيم طه     

كلية التربية ـ جامعة طنطا

 

     يعاني واقعنا الحالي من مشكلات وأزمات تربوية وإجتماعية عديدة لعل من أهم أسبابها غياب ثقافة الإختلاف وضعف الإعتماد علي أسلوب الحوار الهادئ البناء في معالجة القضايا الإجتماعية والسياسية والإقتصادية وغيرها .وليس من المبالغة أن فشل منهج الحوار علي مستوي الممارسة والواقع يمكن أن ينعكس سلبيا علي جهود الإصلاح والتطوير ، بل وعلي مشروعات التنمية القائمة والمخطط لها ، لأنها تبني علي قرارات أساسها الحوار والتواصل ، والتشاور والإتفاق، هذا فضلا عن أن غياب الممارسات الحوارية قد يتسبب في الأخذ بالبديل السالب ، وهو العنف والصراع والصدام .

 

   وحتي يمكن أن يسود منهج الحوار مع الآخر ويصبح الأساس والمبدأ في الممارسات اليومية ، وفي مختلف القضايا والمشكلات الإجتماعية والإقتصادية والسياسية فإن ذلك يتطلب تفعيل وتدعيم المؤسسات التربوية المختلفة للأخذ بمبدأ الحوار مع الآخر واقعا ملموسا ، في الأسرة والمدرسة والشارع وأماكن العمل ، وفي المحافل والندوات واللقاءات الجماعية وأن يتخذ هذا المبدأ أسلوبا لحل المشكلات ومواجهة التحديات المعاصرة .

 

    ويثير موضوع الحوار مع الآخر قضايا  ومسائل عديدة ، بعضها عامة ومشتركة لاتختلف كثيرا من مكان أو زمان إلي آخر ، بينما بعضها الآخر تختلف باختلاف البشر أو أزمانهم أو ثقافتهم أو مراحل تطورهم ، والذي يستقرئ الحوار مع الآخر عبر التاريخ البشري يلاحظ أنه وبفضل العديد من العوامل ، لعل أهمها الرسالات السماوية وتقدم الوعي البشري عموما ، أصبح البشر اليوم ليس فقط أكثر وعيا بأهمية الحوار ، وإنما أيضا أكثر تمسكا والتزاما به في التفاعل مع الآخر ، وحل الخلافات والنزاعات معه ، وأكثر وعيا بالتكلفة الباهظة والعواقب الوخيمة للصدام والصراع خاصة مع التطور المرعب في أسلحة الصراع والقتال .

 

    ومن مظاهر تنامي الوعي بأهمية الحوار والتمسك به ، ورفض الصدام والنفور منه ، التكاثر الملحوظ للجهات والمنظمات والمؤسسات المحلية والدولية التي تتبني الحوار وتدعو إليه ، وتوالي النشاطات والفعاليات التي تدعم الحوار ، وكذلك تكاثر الجهات والمؤسسات المناهضة لنهج الصدام والاقتتال ، ليس فقط في المجال السياسي ، وإنما في المجال الإجتماعي أيضا ، ورغم أن الإختلاف بين الناس في شئون الدين والدنيا أمر قديم ، إلا أن رفض الإعتراف بالإختلاف ، وبالتالي رفض الإعتراف بالآخر ، نابع من استبدادية فكرية متراكمة ومتوارثة ، سيطرت طويلا علي الأذهان ، ومع تقدم الشعوب ونهضة الأمم والحضارات انحل البناء القديم ، وتراحعت نسبيا المعتقدات التي كانت تقدس القديم وترفض الإختلاف ، ورحب العالم بفكرة التمكن للمنطق والعقل ، والتخلي عن فكرة السلطة ، وإفساح المجال في معظم القضايا والمشكلات للحوار والحجة والمنطق .

 

    ويشير الواقع الحالي في المجتمعات الإنسانية إلي أن أغلب الصراعات والحروب والمنازعات والمشكلات الإجتماعية تعودفي معظمها إلي غياب الحوار بين أطرافها ، أو تصورات وهمية أو الإعتماد علي الشائعات دون تحقق أو تدقيق ، ومن هنا تصبح الحاجة ماسة إلي ضرورة بذل جهود أكبر من جانب المؤسسات التربوية والإعلامية والدينية والثقافية ، لتجديد لغة الحوار ، وضبط مساراتها وتربية الأفراد علي الحوار الهادئ مع الآخر، والبعد عن التعصب . وكذلك ضرورة البحث عن آليات وسبل لتطوير أسلوب الحوار ولغة التواصل ، مما يتطلب نهجا اصلاحيا لثقافة الإختلاف وطرحا تحليليا لأسباب غيابها ، والتأكيد علي أهمية الحوار مع الآخر ، ليس فقط لأهميته في ذاته ، بل لضرورة تدعيمه وتفعيله بشكل علمي ، لأنه يترتب عليه وعلي الأخذ به تيسير سبل التعامل ، وحل الخلافات والصراعات والمشكلات المجتمعية علي اختلافها .

 

وللتربية دور ملموس وحضور فعال في تدعيم وتفعيل أسلوب الحوار مع الآخر ، كمبدأ ينبغي أن تحرص علية كافة المؤسسات التربوية المختلفة بدءا بالأسرة ومرورا بالمدرسة وغيرها من المؤسسات التربوية المختلفة ، وحول آليات تفعيل الحوار في كل منها سيكون اللقاء في المقال القادم….. فانتظرونا .

 

     

 

 

 

شاهد أيضاً

مبادرة ” الطفل الجميل” بقلم- د- راندا الديب

مبادرة ” الطفل الجميل” بقلم- د- راندا الديب   للعام الرابع علي التوالي أسعى لتعديل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *