أخبار عاجلة

كورونا والرحيل الصامت … بقلم / أشرف عبوده

كورونا والرحيل الصامت

بقلم / أشرف عبوده

 

لم يكن كالضيف الخفيف ولكنه قرر أن يعكر علينا صفو حياتنا ويخطف الأحباب، فجاء فيروس كورونا وحير معه العالم والعلماء، وحتى الآن ما زالت التجارب والأبحاث تعمل من أجل الحصول على علاج أو لقاح فعال للقضاء على فيروس كورونا، ومنذ انتشاره أول مرة في الصين حتى انتشاره بشكل كبير بين الدول تسبب في وفاة الكثيرين وإصابة الملايين حول العالم ولم يرحم كبيرا أو صغيرا.

ولا يتوقف السيل المتدفق من الروايات والمشاهد الدرامية، حيث إن هناك آلاف الوفيات التي تعج بحالات التشابه والتباين في التفاصيل والأحداث عدا النهايات الواحدة وهي الوفاة.
ويبقى أن الكثير من الضحايا ذهبوا تاركين حزنا وألما عميقا للفراق بين أحبائهم.

لعل أفظع ما يحمله هذا الوباء هو الطريقة التي يعزل بها ضحاياه حتى في لحظاتهم الأخيرة، حيث يموت المرضى بمفردهم في غرف المستشفى، ولا يتمكن أزواجهم وأطفالهم وإخوتهم وأقاربهم من الاقتراب منهم.
أما لحظات الوداع الأخيرة، إذا أمكن السماح بها، فتتم عبر جهاز لوحي أو هاتف ذكي، بمساعدة ممرضة

تجد نفسك عاجزا عن القيام بواجب العزاء. فأكثر ما تملكه من أدوات وقرار للتعزية في زمن كورونا، الاتصال الهاتفي أو كتابة منشور على الفيس بوك تشارك العزاء وتترحم على الراحل أو تبعث تعليقا في ذيل خبر نعي، ترسل من خلاله العزاء الى أهل وذوي وأقارب الراحل.

الموت في زمن كورونا، رحيل صامت. رحيل يعتب الانفاس والقلوب. الاهالي يوعدون احبابهم بصمت، ودون سند ولا مواساة، والجثمان يواجه بمفرده رحلة الرحيل الاخير.

الموت مصيبة ومصيبتان في زمن كورونا، والاولى الفقد والرحيل، والثانية الرحيل الصامت دون وداع ولا جنازة، وتحرم الاهل والاقارب من القاء النظرة الاخيرة على الجثمان.

ما يقع للموت في زمن كورونا غير مسبوق في التاريخ. الجنازة تمضي بالجثمان دون طقوس تذكر. والراحل يوارى الثرى بلا معزين ومصلين، الا احيانا قلة قليلة لا يتجاوز عددهم اصابع اليد الواحدة.

و الاهل في مصابهم الجلل بلا مواساة تخفف من حرقة الموقف وحرقة الرحيل، فلا سلوان يخفف على مواجع الاهل، ووطأة الفراق القاسي. فكأن الموت الواحد يمر بوجع موتين وثلاثة واكثر، وان حسرة الفقد لا تطفئ مواجعها كلمات العزاء، ومهما استقامت بلاغة الرثاء.

فكم أن كورونا مؤلمة وقاسية، ولايشفي غليلها انها تصيب جسد الانسان وتنهشه، ولا يشفي غليلها انها اعاشت الناس في حالة رعب وخوف وقلق وهلع، انما حرمت الانسان من كل المشاعر والعواطف، وجمدت قلبه من الخوف، وكأنه يعيش بحياته في ثلاجة لغسل الموتى، والكل ينتظر على الدور.

الموت بلا عزاء وصلاة. والجثمان محكم ومكفن بطريقة فولاذية وحديدية، فيحجر على الميت صحيا بعد اعلان وفاته. ويوارى الجثمان الى قلب الارض محكما خوفا من انتقال العدوى أو ان يكون مصابا بالفايروس، والموت هنا مفتوح على كل الاحتمالات، وذلك بحكم ان الجثة قد تكون حاملة للفيروس وتنقل العدوى الى الاهل والاقارب.

كورونا قلبت الاقدار، وبسبب فايروس لعين، حرمنا من وداع الاقارب والاصدقاء. واقصى الاماني في زمن كورونا ان تودع ميتا بالقاء نظرة اخيرة أو المشاركة في بيت العزاء. ولكن حتما لا تسطيع، يمتلكك الشعور بالعجز، ولتكتفي بارسال رسالة او اتصال هاتفي أو الوقوف على نافذة الشباك تنظر الى شوارع المدينة الخاوية والفارغة وتتحسر موجعا على شعور يومي بفقد كل طعم الحياة.

ورغم كورونا، فان الموتى الاعزاء لا يمرون هكذا، فان وجعهم يبقى يترصد القلب، وولهم ذكرى طيبة في النفوس، ومن الصعب أن ينسوا مهما كانت قسوة كورونا اللعينة على الانفس، فهم محميون في الذاكرة، وكورونا في الزائلة وستذهب الى الجحيم.

عن naglaa

شاهد أيضاً

راحة الموت ومحاسبة النفس … بقلم / أشرف عبوده

راحة الموت ومحاسبة النفس بقلم / أشرف عبوده     يكاد لا يمر يوم علينا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *