الاستثمار فى الثقافة …….. مطلب تربوى حتمى … بقلم د/ محمد طه .. كلية التربية -جامعة طنطا

الاستثمار  فى الثقافة …….. مطلب تربوى حتمى

 

بقلم د/ محمد طه

كلية التربية -جامعة طنطا

 تحتاج  “مواجهة الصراع الثقافى ” اهتمام متزايداُ من التربية والتربويين بتنمية ما يسمى الاستثمار فى الثقافة لدى الطالب الجامعى ، ويعنى هذا الاستثمار الاستخدام الأمثل لإيجابيات الثقافة ، وحشد وتعبئة قدرات الأفراد بغية تطوير أنفسهم ، كى يدخلوا سباقاً متكافئاً مع الثقافات الأخرى.

وحتى وقت قريب كانت فكرة الاستثمار الثقافى مفهوماً غامضاً ، لم يأخذه التربويين على محمل الجد ، بيد أن هذا التعبير بدأ ينتشر الآن ، وأصبح مسموعاً فى مجال الأبحاث التربوية ، فقد أصبح واضحاً أن الاهتمام يتزايد بدفع الفرد لتحسين مستمر لثقافة والمزج بين هويته والأفكار الجديدة ، ودمجها فى شكل منتجات ثقافية تواكب التغير الهائل الذى يحدث لثقافات العالم فى العقدين الأخيرين.

ويجب أن نركز هدفنا الآن حول تفعيل الثقافة ، وإثارتها وتحريرها من السكون والجمود ، والأخذ بالعلم والتكنولوجيا الذى يعد عاملاً رئيسياً فى قوة الثقافات الأخرى ، وعن طريقة يمكننا معالجة إشكالات واقعنا . يجب أن نستثمر خصوصيتنا الحضارية ، ونفجر طاقاتنا الإبداعية فى إنتاج ثقافات جديدة مناسبة لاحتمالات المستقبل .

وهناك من يعتقد أن هذا الاستثمار مسألة اختيار شخصى واعتقاد خاص ، ولكنه اعتقاد خاطئ لأن الصراع الثقافى صار كبوتقة تصهر من لا ينافسها من الثقافات الأخرى ، أو الثقافى المنعزلة التى تتجرد من وسائل التقدم ، ويقف أمامه فقط القادر على استثمار هويته بشتى أشكالها.

ويتوقف مقياس النجاح الحقيقى لهذا الاستثمار على عاملين أولهما جودة الثقافة ذاتها من حيث التفاصيل وحداثة العناصر والخطوط الفكرية ، والثانى تنمية قدرة الفرد على الاستجابة ، الثقافة ، أى سرعة التفاعل مع ثقافة ، وقدرته على إعادة التفكير فى الأولويات والتوقعات ، ويعدل من رد فعله واستجاباته نحو الغير ، متجاوزاً فى ذلك طرق التفكير الجامدة التى اكتسبها خلال حياته .

ويتطلب هذا الاستثمار الثقافى دفع الطالب للاهتمام بالمواصفات الثقافية العالمية ، حتى يتكلم لغة العالم ، ويفكر بالأسلوب الذى يفكر به الغير ، فكما يقول ” جان بيبر  لو جوفً أو الاستثمار يحتاج إلى آليات جديدة وعديدة ، وأداء أفضل للفرد لتحسين ” تحفيز التواصل ، وتشمل هذه الآليات مواقف وسلوكيات ونشاطات ومهارات ذهنية ، وغير ذلك من القواعد الحتمية الأساسية التى تمكن الإنسان من تفهم الذات والغير على أفضل وجه ممكن .

ويشمل الاستثمار فى الثقافة غرس ثقافة وأخلاق التقدم ، مثل المثابرة والجلد ، والعمل الجماعى ، وتنمية المزايا التنافسية والابتكار ، والولوج للعلم والتخصصات الدقيقة ، ثم القياس الدقيق لمستوى الأداء طبقاً لمسطرة التقدم التى تقوم على الإبداع  وحساب الزمن .

وإذ كانت التربية وسيلة هذا الاستثمار الثقافى فلابد من استخدام أساليب تربوية تجرؤ على التغيير ، وتبنى هذا الاتجاه الجديد ، حتى يملك الفرد ثقافة رفيعة قادرة على الاستنارة ، ومناقشة عادلة للمشكلات ، وتفادى الأعمال البربرية . أما غير ذلك فيؤدى للعزلة واعتناق أفكار انطوائية تجعلهم ينعزلون نحو أساليب هجومية ، وبخاصة أن الأصوات المعارضة لهذا الاستثمار تضفى الصدق على الانعزال الثقافى ، وتؤيد الصراع الكوكبى للحضارات الإنسانية .

ويتطلب ذلك تنمية ” الذكاء الكونى ” لدى الأفراد ، أى قدرة الفرد على مواجهة الظروف الكونية المتغيرة بسرعة ، ولا ينمو هذا الذكاء إلا بفهم جيد للمشكلات والعلاقات الكونية ، وإلا لن يكون أمامنا سوى الانسحاب إلى كهوف الخصوصية الثقافية بما تتضمن من انعزال وجمود وتبنى ثقافة العنف والتعصب.

والمؤكد أن الإيمان بالعزلة الثقافية يعوق الاستثمار الثقافى ، فهناك اعتقاد خاطئ أن تواصل الثقافات يؤدى إلى النزاع والخلافات ، ولابد من إقامة حدود اجتماعية ومكانية بدعوى المحافظة على التراث ، ويشكل ذلك رؤية محدودة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالعناصر الثقافية البالية ، مما يعرض الفرد لأخطار عديدة فى ظل الصراع الثقافى ، فعزل الثقافة هو الذى يؤدى لى التوتر والخلاف والانغلاق ، وليس العكس من ذلك.

ولا يمكن عزل الاستثمار الثقافى عن التقدم العلمى ، وضرورة تحديث المجتمع ، وتجديد الموروث الاجتماعى ، والفحص النقدى للعناصر الثقافية ، وإعادة تقويم الذات ، فلا تقدم ما لم يستوعب الفرد النهضة العلمية التى تتبناها الثقافات الأخرى ، فقد باتت الثقافة الإنسانية مزيج متجانس ناتج عن تواصل البشر مع التكنولوجيا والحاسب ، واستحدثت مفاهيم جديدة للثقافة ، وصارت التكنولوجيا تتحكم فى رؤية الإنسان وتشكل عقليته ، بما فيها من إبداعات فكرية فنية وقيميه وخلاأأ

أخلاقية ، حتى اختزل البعض أسباب التقدم بالتكنولوجيا التى تلتحم وتلتصق بالعناصر الثقافية المتوازنة.

وهكذا يتبين لنا صعوبة الاستثمار فى الثقافة ما لم يصبح هدفاً تربوياً تخصص له برامج تعليمية ، مثل ما حدث من تدريس حقوق الإنسان ، والموضوعات البيئية ، لأننا بحاجة للطالب المثقف الذى يعى طبيعة ثقافته ومشكلاتها وعيوبها ، بل المثقف النشيط الذى يتفاعل مع الثقافة بصورة إيجابية ، ويستدعى جميع خبراته ومعرفته لإحداث نوع من التغير الغير مسبوق فى حياته .

وعلى هذا إذا نجحت التربية فى تحقيق هذا الاستثمار نجحت فى تكوين ثقافة قوية تواجه هذا الصراع الثقافى بالتمسك بالثوابت والقناعات الراسخة ، وتفهم تفاعلات العلم الحديث ومتغيراته ، وبلورة القدرة على معالجة الصدمات الثقافية ، وتقديم الجديد والأصيل من التفكير بعيداً عن التعصب والتقوقع والانكفاء المرضى على الذات ، أو الانكماش فى زوايا الماضى .

 

 

عن عبوده

شاهد أيضاً

اعطنى مسرحا وخبزا …  بقلم / جابر سركيس _ عضو اتحاد كتاب مصر

    اعطنى مسرحا وخبزا   بقلم / جابر سركيس عضو اتحاد كتاب مصر   …

{{ عزة نفس تعودت عليها }} بقلم / فؤاد عجوة

{{ عزة نفس تعودت عليها }} بقلم / فؤاد عجوة   فاعتدت على العيش بمفردي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *